محمد بن وليد الطرطوشي
356
سراج الملوك
فهذه سيرة من لا يعرف اللّه ، ولا يرجو لقاءه ، ولا يخاف عذابه ، ولا يؤمن بيوم الحساب ، فكيف يجب أن تكون سيرة من يقول : لا إله إلا الله ، ويوقن بالحساب والثواب والعقاب ؟ ! وقال ابن عباس رضي الله عنهما ، في قوله تعالى : اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ [ يوسف : 55 ] قال : هي خزائن مصر ، وكانت أربعين فرسخا في مثلها ، ولم يطع يوسف فرعون ، ويخلفه وينوب عنه إلا بعد أن دعاه إلى الإسلام فأسلم . فحينئذ قال : اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الْأَرْضِ . ولما استوثق أمر يوسف الصدّيق عليه السلام وكمل ، وصارت الأشياء إليه ، وأراد ربك أن يعوضه على صبره ، لمّا لم يرتكب محارمه ، وحلّت سنون الغلاء والجوع ، مات العزيز « 1 » ، وذهبت الذخائر ، وافتقرت زليخا « 2 » ، وعمى بصرها ، وجعلت تتكفف الناس ، فقيل لها : لو تعرضت للملك لعله يرحمك ويغنيك فطالما حفظنيه وأكرمتيه ، ثم قيل لها : لا تفعلي ، لأنه ربما يتذكر ما كان منك إليه ، من المراودة والحبس ، فيسيء إليك ويكافئك فيما سبق منك إليه ، فقالت : أنا أعلم بحلمه وكرمه ، وجلست له على رابية في طريقه يوم خروجه ، وكان يركب في زهاء مائة ألف من عظماء قومه وأهل مملكته ، فلما أحسّت به قامت وقالت : ( سبحان من جعل الملوك عبيدا بمعصيتهم ، وجعل العبيد ملوكا بطاعتهم ) ، فقال يوسف : ومن أنت ؟ قالت : أنا التي كنت أخدمك على صدور قدميّ ، وأرجّل جمّتك « 3 » بيدي ، وأكرم مثواك « 4 » بجهدي ، وكان منى ما كان ، وذقت وبال أمرى ، وذهبت قوتى ، وتلف مالي وعمى بصرى ، وصرت أسأل الناس فمنهم من يرحمني ، ومنهم من لا
--> ( 1 ) العزيز : عزيز مصر أو الوزير بها هو الذي اشترى يوسف عليه السلام بدراهم معدودة كما ذكر القرآن الكريم ، وكان هذا الرجل يتسلم خزائن الأموال في مصر قبل يوسف عليه السلام واسمه « قطفير ابن روحيب » ، ( قصص الأنبياء - ابن كثير ص 215 ) . ( 2 ) زليخا : هي امرأة العزيز التي راودت يوسف عليه السلام عن نفسه قيل إنّ اسمها « زاعيل » ولقبها « زليخة » كانت في غاية الحسن والجمال وبنت أخت ملك مصر في ذلك الوقت ، وقد ذكر ابن كثير في كتابه « قصص الأنبياء » أن ملك مصر قد أسلم على يد يوسف وأنه ولى يوسف مكان زوج زليخة وزوجه إياها بعد موته ، فوجدها بكرا وأنجبت له الأبناء والله أعلم . ( قصص الأنبياء - ابن كثير ص 226 ) . ( 3 ) رجّل الشعر : سرّحه . الجمة : مجتمع شعر الرأس وهي أكثر من الوفرة ودون اللمة في الطول . ( 4 ) أكرم مثواك : جعل محل إقامتك كريما مرضيا .